أحمد بن علي القلقشندي
37
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الخلال ما أبرز وقار المشيب في أسوده . وهذا المنصب الذي أهّلت له ، وإن كان ثاني الملك محلَّا ، وتلوه عقدا وحلَّا ، فقد علا بك قدره ، وتأبّل ( 1 ) بك أمره ، وأصبح وشخصك في أرجائه منار ، ورأيك وفضلك من حوله سور وسوار ، وله من قلمك خطيب يجادل عن أحساب الدولة فينفحها فخرا ، وسيف يجالد عن حوزتها فيمنحها نصرا ، ولقد كان من قبلك وقبل أبيك مكرها على إجابة خاطبه ، والنّزول إليه عن مراتبه ، فلمّا جئتماه استقرّ في مكانه ، ورضي بعلوّ شأنكما لعلوّ شانه ؛ وقد علم الآن بأنك نزلته نزول الليث في أجمه ، واستقللت به استقلال الرّمح باحدمه ( 2 ) ، وما زالت المعالي تسفر بينك وبينه وأنت مشتغل بالسعي للسيادة وآدابها ، عن السعي للسّعادة وطلابها ، فخذ ما وصلت إليه باستحقاق فضلك ومناقبه ، لا باتفاق طالعك وكواكبه . واعلم أنّ هذه النعمة وإن جاءتك في حفلها ، وأناخت بك بصاحبها وأهلها ؛ فلا يؤنسها بك إلا الشكر الذي يجعل دارها لك دارا ، وودّها مستملكا لك لا معارا ، وقد قيل : إنّ الشكر والنعمة توءمان ، وإنه لا يتم إلا باجتماع سرّ القلب وحديث اللسان ؛ فاجعله معروفها الذي تمسكها بإحسانه ، وتقيّدها بأشطانه ( 3 ) وقد أفردنا لك من بيت المال ما تستعين به على فرائض خدمك ( 4 ) ونوافله ، وتردّ فضله على ابتناء مجدك وفضائله ، وذلك شيء عائد على الدولة طيب سمعته ؛ فلها محمود ذكره ومنك موارد شرعته ، وإذا حمدت مناهل الغدر كان الفضل للسحاب الذي أغدرها . والمفرد باسمك من بيت المال كذا وكذا .
--> ( 1 ) تأبّل بالشيء : استغنى به عن غيره . ( 2 ) كذا في الأصل بالإهمال ، وفي الطبعة الأميرية مع علامة توقف . ( 3 ) الأشطان : الحبال الطويلة يستقى بها من البئر ، أو تشدّ بها الدابة . ومن ذلك قول عنترة : يدعون عنتر والرماح كأنها أشطان بئر في لبان الأدهم . ( 4 ) كذا في الأصل ؛ وهي غير مستقيمة . وفي هامش الطبعة الأميرية « لعله : منصبك » ؛ وهي أوضح في المقام .